عرض مشاركة واحدة
قديم منذ /17-08-2009, 12:13 PM   #18

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ صالح المغامسي



علماء المدينة
للشيخ صالح بن عواد المغامسي

الحمد لله الذي أحسن كل شئ خلقة وبدأ خلق الإنسان من طين وأشهد أن لااله إلا الله وحده لاشريك له إله الأولين وإله الآخرين وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين .....
أما بعد
فإن الله جل وعلا اصطفى أنبيائه من سائر خلقه قال جل ذكره وعلا اسمه ((الله أعلم حيث يجعل رسالته )) وقال عنهم (( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )) وختم الله جل وعلا أولئك الصفوة ببعثة سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى " ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما " فلما تعلقت النفوس بذلك الهدي الذي علمه الله جل وعلا أنبيائه قال صلوات الله وسلامه عليه " العلماء ورثة الأنبياء " فمن أراد أن يكون على منهجهم ويسير على طريقهم لزمه أن يطلب العلم الشرعي فيزدلف بذلك إلى ركب الأنبياء وسِير الأخيار من المرسلين وكلهم ذو خير...
أيها المؤمنون
بعض المحاضرات الترتيب الأكاديمي فيها يذهب بهجتها ويضيع البغية منها،، فحديثنا اليوم قد لايكون ذو ترتيب أكاديمي صرف رغم انه يخاطب وينادي في المقام الأول طلبة العلم والمحبين للعلم والمحبين للعلماء فنقول والله المستعان يجب أن يحرر أولا أن العلم فضل من الله ليس محصورا في احد ولا قبيلة ولا مدينه ولا عنصرا ، وجد في الأمة علماء من العرب ووجد في الأمة علماء من الموالي ووجد في الأمة علماء من جزيرة العرب ووجد في الأمة علماء من غيرها فعرف الناس الإمام البخاري ومسلم وغيرهم وبعض العلماء عرف نسبه العربي بل بعضهم هاشمي وبعضهم مطلبي كالشافعي رحمة الله لكن العلم مع ذلك ليس محصورا في احد كائن من كان وإنما هو فضل من الله جل وعلا يؤتيه من يشاء والرب تبارك وتعالى لايخص به احد دون سواه لفضلٍ في ذاته على هذا ساحة العلم مفتوحة لكل احد ليست محصورة في مدينة ولا قرية عن قرية لكن المحاضرة التي نحن بصددها اليوم الترتيب لها قُدّر أن يكون عن علماء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يقيننا وعلمنا إن العلم ليس محصورا في هذه المدينة المباركة رغم أنها مدينة سيد الخلق وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه 0
الأمر الثاني إن سير العلماء إذا أراد الإنسان أن يتأملها فإن أهل التحقيق يقولون إن هناك ثلاث جهات للنّظر في حياة العلماء هذا النظر ينقسم إلى ثلاث جهات :
الوجهة الأولى : وجهة سيرهم وأخلاقهم وتعاملهم مع الناس .
الجهة الثانية :جهة المنهج العلمي الذي اتبعوه.
الجهة الثالثة :التراث العلمي الذي تركوه .
فمن أراد أن ينظر في سير الأمة الكبار والعلماء الأفذاذ فلينظر من هذه الثلاث فلينظر من سيرهم وأخلاقهم ولينظر في منهجهم ثم لينظر فيما تركوه من تراث علمي والمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام اختارها الله مُهاجرا لخير خلقه وصفوة رسله دخلها صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين وكان قد هاجر من مكة يوم الاثنين ومكث في الطريق أسبوعين ثم بعد ذلك يوم الجمعة من نفس الأسبوع على الصحيح دخلها بلدةً لأنه كان قد أناخ مطاياه أول الأمر بقباء فبنى مسجده عليه الصلاة والسلام فالمسجد النبوي هو المُنطلق الأول لعلماء المدينة عبر القرون كلها ، هذا المسجد أول من درس فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم وسيبقى بإذن الله شامخا يُتلقى العلم فيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، هذا المسجد شهد الصحابة وهم يتحلقون حول نبينا عليه الصلاة والسلام والنبي عليه السلام يعلمهم ويحث على العلم ويرغب فيه ويدل الأمة عليه ويقول " أما الأول فأقبل فأقبل الله عليه وأما الثاني فاستحيى فاستحيى الله منه وأما الثالث فأعرض فاعرض الله عنه " لما ذكر الثلاثة الذين رأو حلقته صلوات الله وسلامه علية .
ولهذا كان الإمام عبد العزيزبن باز رحمة الله عليه أيام ماكان عندنا في المدينة قبل أن يذهب إلى دوامه في مكتبة في الجامعة الإسلامية كان يصلي في الصف الأول من الحرم فإذا خرج وبدأت حلقات العلم كان يمُر رحمه الله على كل حلقه حتى يخرج من عهدة حديث " وأما هذا فاعرض فاعرض الله عنه " ثم ينطلق رحمه الله إلى عمله في الجامعة .
هذا المسجد شهد منارات شامخة هذه المنارات الشامخة العلمية هم أحد فريقين :
إما رجلٌ أصلاً من أهل المدينة مولده ووفاته .
وإما رجل قدم إليها ثم سكنها وجاور فيها ونشر ما أفاء الله عليه من علم بها .
وهذا من حيث الإطلالة العامة 00000

التاريخ الإسلامي إذا ذكر والأئمة الأربعة إذا دون تاريخهم لا يمكن أن يهجر أو يترك مالك رحمه الله ومالك رحمة الله قطعا ليس من المعاصرين والمحاضرة عن المعاصرين لكن نبدأ به رحمة الله لأنه عالم المدينة الأول من حيث الشهرة ولذلك يسمى بإمام دار الهجرة وإلا شهدت المدينة من الصحابة ومن غيرهم علماء أعظم من مالك علما لكن مالك ارتبط اسمه بالمدينة لأنه ما تركها وكان يدرس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أحيانا البيئة والمكان يساعد المتكلم كثيرا فمالك يقول عن العلماء ما منّا إلا واردٌ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر لا يتأتى لأحد إلا إذا كان يدرس في الروضة التي كان يدرس فيها مالك رحمه الله أو ينقل قول مالك على سبيل الحكاية لكن لايستطيع احدٌ في أقصى الأرض أن يقول مامنا إلا وارد ومردود عليه علاما يشير وإلى ما يرفع يده لكن مالك رحمة الله كان قريبا من قبر نبينا صلى الله عليه وسلم .
موضع الشاهد من ذلك إن مالك يقول الشافعي رحمة الله إذا ذكر العلماء فمالك النجم شرح مالك رحمة الله في المدينة الموطأ ومنه أي من المدينة انتشر الموطأ في أصقاع الأرض وكان أبو جعفر المنصور رحمة الله قد قال لمالك [ وطأ لناس كتابا تجنب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس ] وطالب
العلم الحق المؤصل يفقه هذه الوصية جيدا [ وطأ لناس كتابا تجنب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس ] ومنذ أن كان الناس كان هناك علماء يحملون طابع الشدة في الله ، وهناك علماء يحملون طابع الرخص في الله على بينه على علم ولا يقال لفريق انه متنطّع ولا يقال للأخر انه قد ميع الدين .
لكن الناس في زماننا بعضهم عفـــــا الله عنّـــــــــا وعنهم إذا غلبت عليه الشدة قال فلان ضيع الدين وإذا غلب عليه الأخذ بما يمكن أن يسمى بالرخص تجوّزاً - ليس بالرخص ذات البعد الآخر - يقول فلان تنطّع وعقد الدين.
لكن منذ إن كان الناس كان الاختلاف موجود إما اختلاف تنوع أو اختلاف على حسب فهمهم للنصوص وكلما كان الإنسان في بيئة علميه زاخرة كان الإنكار العلمي عنده قليل جداً وإنما يُكثر من الإنكار العلمي من كان قليل البضاعة في العلم أو كان في بيئة غير مليئة بالعلم لأنه لا يسمعُ إلا رأياً واحدا ، أما المسجد النبوي كان زاخرا بالعلماء مع تنوع رؤيتهم للإحداث وللنصوص فلهذا نشأ القبول من طرف لطرف كما في عهد التابعين والعهد الذي عاش فيه مالك رحمة الله تعالى عليه .
ومالك رحمه الله وطأ للناس كتابا خالف فيه غيره وخالفه غيره لكن كانت الساحة الإسلامية العلمية تتسعُ الجميع لأنه ليس قول فلان بأولى من قول فلان إنما هي نظرات علميه وقد حرر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه {رفع الملام عن أئمة الأعلام } الأسباب التي من اجلها اختلف العلماء وليس هذا موطن ذكرها لكن المقصود بيان البيئة العلمية في المدينة آنذاك ولهذا الطلب العلمي يحتاج إلى نفس ذات روي تخطو خطوةً خطوة لا تُعالج أمورها باندفاع والإنسان كلما كثرُ علمه قلّ إنكاره قل إنكاره للمسائل ذات طابع الخلاف ليست المسائل المقطوع بنُكرانها التي حرمها العلماء مثل الغناء وما أشبه ذلك هذه قضية أخرى أنا أتكلم عن القضايا العلمية التي اتسعت فيها أراء المذاهب الاسلاميه منذ القدم..
فمثلا حلي الزكاة المستعمل هذا منذ أن كان الناس والخلاف فيه مشهور.
ومثلا الجلوس لتشهد الأخير وكيفيته .
هذا في المذاهب الأربعة فيه أربعة أقوال كل إمام استبان فيه قول فهذه المسائل واضرابها لايمكن لمن طلب العلم حقا أن يكثر من الإنكار فيها وإنما في ساحة العلماء يحصل البحث والمناظرة والاستقصاء رفعاً للخلاف و علواً بالهمم وكسباً في المعارف وهذا الذي كان مؤصلا في مجتمع المدينة آنذاك لمل قال أبو جعفر لمالك [ احمل الناس على كتابك قال يأمير المؤمنين لاتفعل فإن أصحاب محمد علية الصلاة والسلام ورضي الله عنهم تفرقوا في الأمصار] ولكل رأيه ودليله ولايمكن جمع الناس إليه ولذلك بعض العلماء لايخوض في الأفضل لان الأفضل كل بحسب رؤيته .
وشيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى عليه حج مفردا فلما حج مفردا ناقشه سماحة المفتي محمد بن إبراهيم رحمة الله تعالى عليه لماذا تفعل هذا قال أنا لا افعله لأنه الأفضل لان الأفضل مسألة لا تُناقش كل عالم يرى أن الأفضل من وجه ولكنني فعلته عمدا لأرد على من يقول انه يجب أن يتحلل الإنسان من عمرته ولهذا كما قلت انه كلما قل الزاد العلمي كثر الإنكار وترى أحدا يتصدر في مجلس أو على منبر أو على خطبة فيبطل شئ مضى عليه فعل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا يُعقل أن يكون فهمك أعظم من فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
والمقصود من هذا عندما يطرح الإنسان هذا يكون دل على قلة البضاعة في العلم نحن لا نقول انه يجب أن تأخذ برأي زيد أو عمر لا لكن ليس من حق احد أن يفرض على الناس رأياً يعتقد أنه الصواب ويعتقد أن الحق محصورا فيه بل كان الأكابر من العلماء يخشون من هذا وهذا المعنى الحقيقي لقول الأمة الأربعة [ إذا خالف مذهبي قول الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط].
المقصود من هذا تحرير الأمر أول قبل الخوض في ذكر سير علماء المدينة وتحرير مسائل علمية يجب أن يتنبه لها من يطلب العلم .
العلمُ كذلك يحتاج إلى نقل وعقل يحتاجُ إلى نقل صحيح والى فهم وإدراك لهذا النقل قال صلى الله عليه وسلم " رب حامل فقه لمن هو افقه منه " ومالك رحمه الله - ونحن ما زلنا في الحديث عن مالك - أشار إلى سوار المسجد وقال والله أدركت في هذا المسجد أكثر من سبعين والله يستسقى بوجههم الغمام يعني قوم صالحون لا يفارقون المسجد وإن منهم لو أؤتمن على بيت مال المسلمين لوجدته أمينا ولم أأخذ عنهم حديثا واحدا قالوا له لما يا عبد الله قال إنهم ليسوا من أصحاب هذا الشأن يعني عُباد لا يعرفون كيف ينقلون العلم قد يُغرر بهم فكل مجال خلقه الله جل وعلا في فنون الحياة خلق له رجال يحسنونه فليس من الصواب أن يطلب من الأمة كلها أن تكون علماء لان العلماء في الأمة هم الرؤس هم الأكابر ولا يُعقل أن الأمة كلها تصبح على مستوى واحد .
بل قال الله جل وعلا في الجهاد وهو ذروة سنام دينها قال ((وما كان المؤمنون لينفروا كافه )) فالله جل وعلا وزع القدرات فيجب أن يستصحب الإنسان هذا قبل أن يقدُم هو على العلم أو قبل أن يُشير عليه به فليس كل احد يصلح أن يطلب العلم وليس كل احد يجد في نفسه الرغبة والتأهل إلية وإن كان العلم منزلة ذات شرف لا يُضاهى ومجد لا يُبارى ...
نعود فنقول بدأنا بمالك كتوطئة قبل الخوض في علماء أهل المدينة كان شيخنا الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه يقول إن استنباط مالك يوافق الكتاب بل أكثره مأخوذ من كلام الله جل وعلا ولذلك شدد مالك على الرافضة وقال [ ليس لهم في الإسلام شيء من الفيء] محتجا بأن الله ذكر في القران الفيء للمهاجرين ثم قال (( والذين تبوءُ الدار والإيمان )) ثم لما ذكر الفيء في هاذين الفريقين قال جل ذكره بعدهما قال ((والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن )) فمن لم يترضى عليهم ولم يستغفر لهم فليس داخلاً في عمُوم المسلمين الذين يُعطون من الفيء ..
وهذا المنهج في الفهم أخذه الأمين الشنقيطي كما سيأتي في الحديث عن سيرته رحمة الله تعالى . المقصود هذه المدينة كأجواء في عهد مالك رحمة الله والله جل وعلا إذا أراد شيئا هيأ أسبابه فإذا أراد أن ينشر علم احد هيأ أحدا أو غير ذلك مما يساعد على نشر ذلك العلم بشتى الطرائق .
لكن ينبغي أن يعلم انه وإن عرفة الأمة عُلماء مشاهير إلا إن العلم ليس محصورا في فقط في من اشتهر فكم من عالم جليل القدر لايعرفه الناس ولايعني ذلك قدحا في النيات وهذا من الأخطاء الشائعة إن الناس يظنون أن الشهرة مبنية على صلاح النية وان عدم الشهرة مبنية على فساد النية وهذا ليس من الصواب في شيء النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إنما الأعمال بالنيات " أي اجر النية على اجر العمل أما إفادة الناس من العمل فليس معلقا شرطا بالنية.

وحتى تتضح المسألة وبضرب الأمثال يتضح المقال :
لو إن إنسانا عنده مال ثريا جدا وقال أريد أن ابني مسجدا يقول في نفسه فقدرته المالية جعلته يتخذ طريقا أو مكان أو قطعة ارض في كثافة سكانية كبرى ثم بنى فيها المسجد وهو يقول في نفسه بل ربما قال لأقرانه إنا لا أُريدُ بهذا وجه الله إنا أُريد الشهره فكتب على المسجد مسجد فلان بن فلان عمداً قد يكتبها رجل لله ، وقد يكتبها رجل لغير الله وبقدرته المالية جعل مواقف للسيارات وداراً لتحفيظ وأتى بأئمة يحرصُ الناس على الصلاة ورائهم وأتى بمحاضرين يحبهم الناس وأتى بموظفين وانفق عليهم أمولا فحيي المسجد .
فالناس الأمام يرغبون في القراءة ورائه والمسجد مخدوم من حيث المواقف وغيرها وحلقات التحفيظ تعطي مكآفات وهناك سيارات وتقدم وتُؤخّر للمسجد فالناس انتفعوا وإن كان صاحب المسجد لم ينتفع لأنه ما أراد به وجه الله .
وقد يأتي إنسان أراد بعمله وجه الله لكنه لم يوفق للمكان ولم يعان في أمور عدّة فلم يأتي احد مسجده.
فهذه أمور لا ينبغي أن من رأيناه مشهوراً ظاهراً حكمنا عليه جزما بأنه صالح النية نعم نرجو الله أن يكون صالح النية لكن لا يحكم عليه ،، ومن رأيناه مغمورا لا يعرفه احد نُشكك في نيته فهذا كله تطاول وأمور لاسبيل لنا عليها والله تعالى يقول (يوم تبلى السرائر )ولنا من الناس ظاهرهم .
هذا كله ساقنا إلى قضية إن مالك أراد الله أن ينشر علمه وكان من أسباب انتشار علمه أمور عدة لعل من أشهرها:
أن يحيى ابن يحيى الذي قدم إليه من بلاد الأندلس بلاد المغرب طلب العلم أدرك مالك في آخر حياته وكان يحيى هذا منصرفا للعلم وحده وذات يوم جاء فيلٌ في المدينة والفيل حيوان غير مألوف في جزيرة العرب رؤية فانصرف الناس خرجوا من المسجد يشاهدون الفيل يتسامعون ويتناقلون هناك فيل ومالك كان ذا سمت ووقار وهيبة في مجلسه يقال عنه كما في مقدمة الموطأ 00
يأتي الجواب فلا يراجع هيبة والسألون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المهاب وليس ذا سلطان
فخرج كل من في المسجد إلا مالك ويحيى ابن يحيى رحمة الله بين يديه قال يُبني علاما لا تخرج إلى ما خرج إليه الناس قال إنني قدمت من بلادي لأراك واخذ عنك العلم ما قدمت لأرى الفيل فأُعجب به مالك فصار يدخله بيته فأخذ علما عن مالك وقُدّر له أن يرى الليث ابن سعد قرين مالك لكنه سكن مصر وكان الليث على دابته فقام يحيى هذا وهو يومئذ شاب فقاد الدابة لليث وهو لا يعرفه - أي الليث لا يعرف يحيى - فدعا له - ولعلها وافقت ساعة إجابة - قال له يا بُني أُنظر دعاء العلماء قال [ يا بُني خدمك العلم] - هو الآن قدم عالما - قال[ يا بني خدمك العلم] فلمّا توفي مالك وفرغ يحيى ابن يحيى من رحلته عاد راجعا إلى بلاد المغرب وفي الطريق مرّ على بغداد فجلس يحدث بها مأخذه عن مالك فأخذ مسلم ابن الحجاج كثيرا من علم يحيى ولهذا جلّكم قرأ في الصحيح ترى أن مسلم يقول حدثنا يحيى ابن يحيى ثم يسوق السند عن مالك مثلا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رجع إلى المغرب أي إلى الأندلس - تُسمّى المغرب آنذاك - وسكنها يحيى ابن يحيى كان رجلا محبوبا فحصلت له بعض القضايا مع السُلطان فقربة السلطان فأصبح السلطان لا يعين أحدا في قضاء إلا بتزكية من مــن ؟ إلا بتزكيةٍ من يحيى ابن يحيى فيضطر الطلاب أن يدرسوا عند يحيى ابن يحيى وهو يدرسهم علم مالك فانتشر علم مالك في المغرب إلى اليوم وظهر هناك ابن عبد البر رحمة الله تعلى عليه أعظم من خدم المذهب المالكي كما في التمهيد.
الذي يعنينا هذه جملة عن الأحداث التأصيليه عن رجلٍ ولد في المدينة وتوفي بها هو مالك رحمه الله تعالى رحمة واسعة وهو مدفون بالبقيع رحمه الله تعالى رحمة واسعة .....

أما المعاصرون من العلماء فلا ريب إن الله جل وعلا منّ على جزيرة العرب بلّم شملها على يد الملك عبد العزيز غفر الله له ورحمه والأمن السياسي إذا وُجد أعظم ما يعين على طلب العلم لأن الناس إذا خافوا أو جاعوا انصرفوا إلى ما يزيل خوفهم أو إلى ما يزيل جوعهم فيقّل شغف الطلاب بالعلم .
من ابرز العلماء:
الإمام الشنقيطي رحمة الله تعالى علية وهذا الرجل أصله من بلاد شنقيط وموريتانيا كبلد يسكنها عرب وعجم يخدمون العرب واللغة العربية لكلا الفريقين وفيها قبائل بعضها انشغل بالإغارة على عادة القبائل والتنافس بينها والتنازع ،، وبعضها انشغل بالتجارة مع طلب العلم ،، ومن القبائل التي في موريتانيا التي انشغل أبنائها بطلب العلم الجكنيون الذين منهم الشيخ وأصولهم من حمير من اليمن.
هذا الرجل رحمة الله تعالى علية ولد هناك ثم حفظ القران بعد أن عاش يتيما وعهدة به أُمة وعنيت به عناية عظيمة وهي رسالة للآباء والأمهات أول من يغرس طلب العلم في الأبناء هم الآباء والأمهات بالتشجيع فلمّا حفظ القران رحمه الله فرحت به أُمة فرحا شديدا ثم بعثته يأخذ بعض الفنون فهو يقول رحمه الله تعالى زودتني بمتاعين أو مركبين : مركب فيه كتبي ومركب فيه زادي ومتاعي وجعلت معه خادما معه بقرات وأرسلته إلى القرى والمدن التي فيها العلماء آنذاك في شنقيط فحصل على علم جمّ فرحت به امة و أخواله وكان له خال عالم يُعلمه والإنسان أحيانا يبغض من يحسن إليه دون أن يشعر لان أي إنسان يمر بمراحل زمنية فالشيخ رحمة الله ذات يوم مرض خالة فارتاح قليلا من عناء الطلب فمر على خاله وهو مريض فأضحى يقول متى يموت حتى ارتاح من الطلب ثم برئ الخال وأكمل المهمة ،المهم أخذ العلم عن غيره .
أعظم ما عني به الشيخ وهذا لُب الحديث في اللقاء كله أن الله وفقه لأن يعرف قدر القران فكانت عنايته التامة بكلام الله جل وعلا ومن أراد الله به خيرا جعله يفقه كلام ربه تبارك وتعالى إذ أن أعظم مقصود من العلم هو العلم بالله جل وعلا ولايمكن أن يعرف الله إلا بكتابه إذ لا أ حد أعلم من الله ولا أحد أعلم بالله من الله .
فالسبيل الأول الذي كل سبيل مندرج فيه هو معرفة ايآت الكتاب حتى تدلك على الملك الغلاب جل جلاله فعُني الشيخ رحمه الله برجز كان لعلاّمة شنقيطي اسمه العلامة محمد يعرف بالبحر هذا الرجز ذكر فيه العالم ذلك منظومة في قضية الآيات المتشابهة في القران رسماً أو تلاوة لفظا أو تلاوة التي يتكرر أكثر من مرة فعُني بها وهو شاب فلما أكملها مالم يتعرض له العالم دوّنه الشيخ وتبع العالم البحر على نفس منواله وزاد عليها رحمة الله تعالى عليه .
فمثلا قال الله جل وعلا في سورة سبأ ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ) فكلمة أشياع تكررت في سوره القمر ( ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مّدكر ) في سورة القمر جاءت بضمير المخاطب (أشياعكم ) وجاءت منصوبة لأنها مفعول لأهلك ،
وفي سورة سبا جاءت للغيبة (كما فعل بأشياعهم ) وجاءت مجرورة لأنها مسبوقة بالباء فالشيخ رحمة الله زيادة على تلك المنظومة التي عني بها قال رحمه الله

في سورة القمر خاطب وانصبَ وجُرهُ وغيبنهُ في سورة سبأ

أي أن هذا الفظ في سورة القمر خاطب به وانصبه وفي سورة سبأ اجعله على ضمير الغيب وجرة كما هو صريح القران .
المقصود بدأت العناية بالقران ثم منّ الله عليه بعلم التفسير ثم قرر أن يقدم إلى الحجاز حاجاً وإذا أراد الله بأحد خيراً أعطاه فوق ما يؤمل بلقيس خرجت من اليمن إلى بلاد فلسطين تبحث عن ماذا ؟ كيف تحافظ على مُلكها تطمئن سليمان أنها لا تنازعه فردّها الله وقد أسلمت أعطاها الله فوق ماتؤمل ،،،
وبعدها الكليم موسى عليه السلام ذهب يبحث عن جذوة من النار فعاد وهو كليم الواحد القهار فالله جل وعلا ذو منة وفضل على عباده فهذا الرجل خرج من بلاد شنقيط كل الذي يريد أن يحج ويعود فقُدّر له أن يحج فلما حج في منىً بقدر الله تكون خيمته بجوار خيمة الأمير خالد السد يري وعبد الرحمن السديري وفي أيام منى حصلت مناقشات علميه حول الأبيات فسمعهم قد اختلفوا فأستأذنهم أن يدلو بدلوه فأذنوا فلما اذنوا وجدوا علما جمّا وبحراً لا ساحل له فقرّبوه وعُرض أمره على الملك عبد العزيز رحمة الله تعالى فأمر له بالجنسية له ولمن في كفالته ومن قرابته ثقةً في الشيخ وإكراماً له فكانت سببا في أن يستوطن الحجاز ثم منّ الله جل وعلا بعد ذلك لمّا لم تكن في ارض موريتانيا الكتب منتشرة كانتشارها ها هنا وليست مطبوعة متداولة في كثير من الأمور لم يقع على يد الشيخ المغني لأبن قدامه وهو هناك وأهدي له من قبل إمام الحرم آنذاك الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه فكان نظره في تفنن المذاهب زاد على حصيلته التي حصل عليها في موريتانيا فأسهمت في إيجاد حصيلة علمية له رحمة الله تعالى عليه.
هذا من حيت الإجمال وسنقف وقفات مُعينه مع سيرته أعظم السير ، أعظم ما جاء في سيرته رحمه الله عنايته بالقران كان يقول السنة كُلها في أية واحدة (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه ) درّس في الرياض ها هنا وحاضر مرة في مسجد وممن حضر المحاضرة الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله فشرح العقيدة شرحاً علميا مؤصلاً فلمّا فرغ والعلماء يعرفون بعضهم بعضا قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله جزى الله عنا الشيخ محمد الأمين خير الجزاء - ثم ماذا قال ؟- قال الجاهل عرف العقيدة يعني من حضر المجلس وهو ليس معدوداً من العلماء الآن عرف العقيدة الجاهل تعلم العقيدة طبعاً الشيخ عبد اللطيف عالم لا يستطيع أن يقول والعلماء تعلموا العقيدة كيف صاروا علماء وهم لا يعرفون العقيدة قال رحمه الله والعالم تعلم الطريقة والأسلوب أي التي يُعلم بها الناس لكن هذا مبني على حرص الشيخ على علم الآلة لا يمكن لأحد أن يطير قبل أن يُريش هناك طرائق وأساليب حتى تصل إلى غايتك لكن الإغراق في علوم الآلة يُضيع الهدف فإذا علم الآلة أخذ شطر عمرك ماذا بقي للهدف وإن لم يأخذ علم الآلة من جهدك شيئا مُحال أن تصل إلى هدفك لابد الإنسان أن يجمع ما بين علم الآلة في التقديم الأول يؤصل نفسه ثم بعد ذلك ينتقل إلى العلم الشرعي محال أن يتصدر الإنسان وهو لايعرف شيئا عن لُغة العرب ولاعن شعرهم ولا عن آدابهم ولا أسلوب كلامهم هذا محال ولا أن يعرج على شيئا عن تاريخهم الشيخ الأمين قبل البلوغ له أقران يتنافسون فألف منظومة في النسب في نسب بني عدنان وسماها {خالص الجمان } فلما بلغ وجرى عليه قلم التكليف أخذها وحرقها ودفنها فلامه مشايخ عصره فقال رحمه الله إنني لم أدونها لله دونتها لمنافسة الأقران فلذلك أخفيتها فقال له العلماء يمكن تحسين النية لكنه رفض وبقيت مخفيه إلى يومنا هذا لأنه عندما صنعها كان يغلب عليه انه كان ينافس أقرانه في الطلب 0

أقول العلم بالقران قبله العلم بالآلة والعلم بالقران مفتوح يقول على رضي الله عنه وأرضاه "إلا فهما يؤتيه الله من يشاء في كتابه " فباب العلم في القران مفتوح لان الله جل وعلا كتابه اجّل من أن يحوي فهمه صدر رجل واحد لكنه يبقى على مر العصور ينهل منه العلماء فهو كلام رب العزة والجلال .
نقول عني الشيخ عناية عظيمة بالقران تأصيلاً وشرحاً ويستطرد كثيراً حتى يستفيد الطلاب من شتى الفنون ويجعل القرآن هو المرجع وقد خاطبه الشيخ عطية سالم رحمة الله تعالى عليه وهو تلميذه النجيب الأول فقال إن القرآن هو جامع العلوم ومنه انطلق إلى شتى فنون العلوم إذا أردت أن اشرح فأتكلم في الفقه وأتكلم في الأصول وأتكلم في التاريخ وأتكلم في الحديث وأتكلم في اللغة وكلٌ يأخذ منا بطرف وهذا يحتاج إلى رجل ذي سعة في العلم كما كان الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه.
هذه العناية بالقران هي التي فيما يغلب على الظن ولا نزكي على الله أحدا أسهمت في وصول الشيخ إلى تلك المنزلة العلمية العظيمة التي وصلها في عصره مع هذا كله كان الرجل يتقي الله في الفتوى تقوىً عظيمة بل في أخريات حياته كان يتحرج من الفتوى وكان يقول إن الفتوى نوع من البلاء والعاقل يكون من البلاء في عافية.
وقد قلت في محاضرات عدة إن وفد من الكويت حضر إليه رحمه الله في أخر أيامه يسألونه عن مسألة أظنها كانت عن البرلمانات فلما دخلوا علية يسألوه وهم قد شدو إلى علمه الرحال اعتذر عن الإجابة فلما أكثروا علية كان مضطجعاً كما يقول ابنه الشيخ عبد الله وهو حاضر وهوالذى أخبرنا بهذا يقول فأصلح جلسته ثم قال أُجيبكم فيها بكلام الله فكأنهم فرحوا فقال قال الله قال الله تعالى (ولا تقف ماليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل اؤلئك كان عنه مسؤلا) فلما أكثروا عليه وهذه الكلمة لازمته في آخر حياته قال قال العلماء كذا وقال فلان كذا ويضع أصبعه على رقبته ويقول أما أنا فلا أُحمّل ذمتي من كلام الناس شيئا لا ادري.
وأنت ترى اليوم من يبحث عن من يسأله ومن يتجرأ على السؤال ومن يكون لديه قدره على المجابهة لكن ليس لديه قدره على أن يرجح وحتى أن وصل إلى أن يرجح تجده يسُفه أقوال غيره.
يقول أحد أعضاء هيئة كبار العلماء حججت معه لقيته في الحج مرة يقول درسنا الشيخ في الرياض في كلية الشريعة فذكر قول لأبي حنيفة فكأنة أطال فأعترض أحد الطلاب وأراد أن تمضى المسألة قال يا شيخ وان قال أبو حنيفة فغضب الأمين رحمة الله تعالى عليه يقول وضرب اللوح بيده مراراً وقال للطالب أنت لا توازي شراك نعل أبو حنيفة أبو حنيفة أمام رضيت أو لم ترضى ثم قال بعد أن هدأ روعه وخف غضبه قال يابنى أبو حنيفة إمام وليس لزاماً أن نأخذ بقوله لكن عليك أن تحترم رأيه فالأمة شهدت له بالعلم والقبول وشهد لهُ أفذاذ من العلماء ليس أنت عندهم بشيء والعاقل ما يهدم شيئا قد تم ولا يجابه شيئاً أُجمع عليه ولا يواجه تيار صعب فكيف يضع نفسه أمام هذه القمم الشامخة يُسّفهها ويُقلّل من علمها ويُقلّل من علو منازلها التي أعطاها الله جلا وعلا إياها .
والحرص على احترام من سبقك من العلماء أو من عاصرك من أعظم الدلالة على تأصُل العلم فيك ، رُزق الرجل مع هذا العلم تقوى من الله عجيبة كان يقول قدمت من بلادنا بكنز لا أريد افقده أو أن أضيعه وهو القناعة ولذلك لم يُقدم يوما طلباً في زيادة مرتبة ولا في رفع درجته ولم يسأل يوما أحدا مالا وما أعطي من مال من غير سؤال أخذه وقبله ثم يوزعه ومات ولم يورّث شيئا وقد كنت اسكن على مقربة تامة من داره وعندما مات كنت تقريبا في الثاني عشر أو الحادي عشر من العمر آنذاك غفر الله له ورحمه .

الذي يعنينا الآن قضية حياة العلماء وهي قضية الاتصال بالله تبارك وتعالى
والعظيم من يستشعر الأمر قبل أن يقوله للناس جلس مرة والله في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يُريد أن يفسر قول الله (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وكان من طريقته إن هناك تالي للقران يتلو القران ثم الشيخ يفسر فردد الشيخ الآية (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وأخذ يبكي حتى أذن المؤذن لصلاة العشاء لم يفسر أية واحدة .
إن من أعظم ما يرزقه العالم القناعة أو العلم التام بما يقول لكن إذا كان الرجل يتكلم من لسانه حتى ولو انتفع به الناس لا ينتفع هو بأجر علمه فقد يكون هناك لبيب خاشع خاضع في المجلس ينفعه الله جل وعلا بما قلت لكن أيُ كرامة هذه عند الله ضائعة إذا كنت ينتفع الناس بما تعلم ولا تنتفع أنت به بين يدي ربك.
والله جل وعلا لما أراد من أنبيائه العظام أن يقول شيئا على علم به حقا قال في حق إبراهيم (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ) .
ولما أراد أن يتم نعمته على نبينا صلى الله عليه وسلم عرج به إلى سدرة المنتهى فرأى صلى الله عليه وسلم الجنة والنار حقاً حتى إذا حدّث عن الجنة وعن النار أصبح صلى الله علية وسلم يُحدث عن علم صلوات الله وسلامه عليه.
ليس العلم أن يأتي المحاضر أو الداعية أو الخطيب أو الموفق إلى كلمات يقرأها يحضرها قبل المحاضرة ثم يقولها للناس ، العلم الحق أن يستشعر بها في نفسه وأن يعمل بها بينه وبين الله حتى إذا قالها للناس خرجت من قلبه قبل لسانه فالإمام أحمد رحمه الله لما كتب المسند مر على حديث أن النبي إحتجم وأعطى الحجام كذا درهم فذهب واحتجم وأعطى الحجام مثل ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثم كتبه في مسنده رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة

معشر القراء يا ملح البلد من يصلح الناس إذا الملح فسد

والله جل وعلا يقول (( واتلوا عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها )) ثم قال جل وعلى يضرب مثلا لعالم السوء الذي عنده علم ولم يعمل به قال الله (( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث )) قال بعض أهل العلم والعلم عند الله في بيان هذا أن الله جل وعلا لما أهبط آدم إلى الأرض أمر إبليس نزغ في السباع أن تؤذي آدم فكان الكلب يوم إذاٍ سبع كاسر فجاء جبريل وأوصى آدم أن يمسح على رأس الكلب حتى يتقي شره فمسح آدم على رأس الكلب فمات قلبه أي مات قلب الكلب فخرجت منهُ السبعيه التي أوجدها الله فيه ولهذا الكلب الآن إذا غلبت عليه مسحة أدم يحرسك وإذا غلبت عليه نزغات الشيطان يفترسك فيقع منه النفع ويقع منه الأذى ولا يوجد هذا إلا في الكلب .
أما الحيوانات بعضها أليف وبعضها سبع وفوارس كاسرة مؤذية إلا الكلب يجمع مابين كونه سبعي ومابين كونه أليف ولهذا أباح الله جل وعلا صيده فهو ميت القلب لا يركن إلى طبع فجعل الله جل وعلا عياذاً بالله عالم السوء كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .
وهذا العلم الذي يحفظه العلماء في صدورهم إما أن يكون لهم بين يدي الله حجه لهم يؤجرون على ما قالوه أو أن يكون عياذ بالله حُجه عليهم وقد قال الله جل وعلا (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) لكن الناس يقرؤن هذه الآية من آخرها ويعلقونها في الفصول والمدارس والكليات والسيارات ولا تُقرأ هكذا إنما يقرأ أولها وهذه الآية جاءت تذييل ولم تأتي تأسيس فمن الذين يعلمون الذين قال الله إنهم لا يستوون مع الذين لا يعلمون ليس الذين يحفظون المتون ويتكلمون ارتجالا أو ما أشبه ذالك قد يكونون منهم لكن العالم الحق من وقف يبن يدي الله عز وجلا في ظلمات السحر يسأل ربه ويرجوه ويدعوه ويتوسل إليه كما كان شأن محمد صلوات الله وسلامه عليه.......

فبادره وخذ بالجد فيه فإن أتاكه الله انتفعت
فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس انك قد رؤست
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملت

نعود فنقول هذه العناية الأولى ...
والعناية بلغة العرب وهي مبنية على الأول وقد تكلمنا عنها استطراداً في إن الشيخ رحمه الله كانت له عناية كبيرة بلغة العرب لأنها الطريق إلى القران وقد ذكر في سيرته انه لما مرّ على السودان سأله بعض طلبة العلم عن أخر كتاب قرأه فقال أخر كتاب قرأته{ ديوان عُمر ابن أبي ربيعه} فأغتاظ الناسُ غضبا لأن ديوان عمر ابن أبي ربيعه في الغزل وهو لا يُظن به أن يقرأ في مثل هذا فقال رحمه الله مجيباً استعين به على فهم كلام ربي فالعلم بما دونه الشعراء العرب خاصة في عصر التدوين الأول الذي يُستشهد به يُعين المرء على فهم كلام الله تبارك وتعالى .
الشيخ رحمه الله توفي في مكة المكرمة كان معه سائقه في ليلة مزدلفة قال له السائق أو في صبيحة العيد إنني رأيت رؤيا رأيت النبي قد مات فتوقف الشيخ قليلا فقال السائق إنني رأيت النبي قد مات لكنه ليس النبي كأن الشيخ غضب قليلا قال ما أدراك انه ليس النبي قال عندما نظرت لم يكن هيئة النبي صلى الله عليه وسلم فتغير وجهه فأحس السائق الذي قص الرؤيا انه أحرج الشيخ فقال لعلها ليست رؤيا لعلها أضغاث أحلام قال لا لا هي رؤيا ويقضي الله ما شاء خيرا إن شاء الله ثم مات بعدها بثلاث ليالي أو أربع.
وتعبيرها أن العلماء ورثة الأنبياء والشيخ كان يعلم من نفسه انه اعلم أهل زمانه وان كان لا يدّعي هو بنفسه فلما اخبر أن النبي قد مات أي أن عالم هذه الأمة آنذاك سيموت خاصة إن الرائي قال لم أرى هيئة النبي صلى الله عليه وسلم لكن وقع في نفسي انه نبي فمات رحمه الله في مكة المكرمة وبها دفن وترك علماً جمّا ونحن لا ندعي لا له ولا لغيره العصمة لكن نذكر رجلاً علما نحسبه عند الله كذلك والله اعلم بسريرته نسأل الله لنا وله غفران الذنوب وهذا واحداً من أشهر علماء المدينة في هذا العصر .

ومن علماء المدينة في هذا العصر علماء آخرون لكننا نذكر إجمالا عن بعض ماقدموه منهم الشيخ صالح الزغيبي وهذا كان إماما في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُضرب به المثل في قضية المحافظة على الإمامة صلّى في مسجد رسول الله 25 سنه لم يغب فرضاً واحداً وكان يصلى الفروض الخمسة كلها وذات يوم جرت عادته أنهُ يدخل المسجد قبل الآذان الأول فيُوتر ثم بين الآذان والإقامة ينتظر الإقامة ثم يصلى ووضع وقتا محدد يعرفه الناس متى يقيم الصلاة فلما قام ليتوضأ بين الآذان والإقامة لدغته عقرب فشعر فلما توضأ أخذ يتصبر حتى يصلي بالناس وعجز أن يبعث أحداً إلى الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله الذي أخذا الإمامة بعده إلى أن يصلى بالناس ولم يُرد أن يقدم إقامة الصلاة حتى لا يتضرر من تعود على وقت الإقامة ثم صلى بالناس فلما فرغ من الصلاة خارت قواه وسقط ثم أُسعف رحمة الله تعالى عليه .
ويقولون عنه خلال 25 سنة انه لم يسهو قط في صلاته ولم يُنقل عنه انه سها مرة واحدة وهو يصلي بالناس الفروض الخمسة 25 سنة و زاره ذات مرة إمام الحرم المكي في زمانه وقال أنا ارغب أن أصلى فرض واحداً هنا حتى اشعر إنني صليت في الحرمين إماماً فمنعة وقال لا يُقدم ولا أوثر بهذا المكان احد حتى ضعف في أخر أيامه.

فصلى بعده الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله وقد صليت ويمكن بعض منكم كثيرا صلى وراءه وهو توفي تقريبا قبل حوالي عشر سنوات والشيخ عبد العزيز رحمه الله صلى في حرم رسول الله 45 سنه وهو أكثر أهل زماننا وأكثر أندادنا وأقراننا صلى وراءه وهذا الرجل يقول عنه الشيخ عبدالله آل بسام في ترجمته لعلماء نجد انه رجل غلبت شخصيته على علمه كان قوي الشخصية جدا ًوهذه بين قوسين تحملوها ( كان أحب خلق الله إليّ إلى يومنا هذا)، وأنا نشأت متأثرا ًبه إلى ابعد درجه رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة .
وكان فيه قوة شخصيه لا يمكن أن تراها في أحد وله في ذلك أخبار وقصص ليس هذا موردُها لكن منّ كان عالماً عارفاً ببعض الأمور الخاصة يعرُفها عنه رحمةُ الله تعالى عليه رحمةً واسعة كان رجُلاً مُهاباً بشيءٍ لا يكاد يتصورهُ أحد ، إلا أنّ أعظم مزيةٍ فيهِ يقول الشيخ إبراهيم الأخضر القارىء المعروف يقول لو أنّ هُناك جسد خُلي من الحسد لكان الشيخ عبد العزيز بن صالح .
الإنسان جبلّة يا أُخي لا يُحب يحب أن ينافسه احد في شيء عُرف به وهذا الرجل كان إماما في حرم رسول الله فالذي أذن لكثير من المشايخ أن يدرسوا رغم اختلاف أعراقهم وبعدهم بعضهم ليس من السعودية أصلا وسعى في تمكينهم هو الشيخ عبد العزيز بن صالح .
صلى ذات مرة في مسجد قباء وكان الشيخ على الحذيفي حفظه الله الإمام الآن يصلي إماما في قباء فأعجبه أداء الشيخ وصوته فلما فرغ يقول الشيخ علي نفسه يقول قُمت أسلم عليه فلمّا سلّمت قال لي يا بُني إن شاء الله نجيبك في الحرم ثم يقول بعد مدة اتصل بي وقال ترى كلمنا المسؤلين ووافقوا تعال صلي في الحرم .
العادة أن الأئمة من جهة ثانيه يُكلفون بالحرم فإن يأتي إنسان مسئول عن الحرم يأتي بأئمة لا حرج لكن إمام الحرم نفسه يبحث عن أئمة حسن الصوت قوي الأداء متقن هذا قليل ثم في عام 1411 هـ أو 1410هـ الشيخ محمد أيوب لم يكن يعرفه أحداً من الناس إلا أهل المدينة في المساجد والشيخ يوم ذاك كان يصلى بالناس التراويح فقال له احد أبنائه إن الشيخ محمد أيوب شيخٌ حسنُ الصوت وهو لا يعرفه قال يا بني اسمعني صوته هذا الكلام 28 شعبان حتى تعرف القوة فلمّا سمعه ارتاح لقرأته قال لابنه أأتني بالشيخ محمد أيوب يقول الشيخ محمد أيوب فاستدعاني يوم 28 شعبان وأنا انتظر التكليف أن أصلي إماما في مسجد القبلتين قال يا بني إن شاء الله تصلي معانا بكره ليلة رمضان تصلي بالناس فأنظر شخص يناديك طبعا أنت تعرف إمامة الحرم هذه تمر بوزارات في الدولة معروفه ويحتاج إلى إذن لكن الشيخ كان من قوتهِ وسلطانة ونفوذ كلمته في البلد واحترام ولاة الأمر له ، له شأن عجيب ولأجل ذلك قلنا لم ترى أعيننا كلنا أهل المدينة رجل في مثل شخصيته قال إن شاء الله بكره تأتي تصلي في الحرم إمام فجاء الشيخ لما نودي برؤية الهلال قدمه يصلي فجاءت بصراحة كذا بعض الاعتذارات من ضعفاء الإيمان أو ضعفاء العلم فأبقاه حتى نهاية الشهر قال له يا بني من صلّى هو الذي يُختّم وهو يستطيع أن يُختّم الشيخ فدعاه لأن يختم القران ويختم بنا وصلينا وراءه تلك العام رحمة الله تعالى عليه ..
وهذه الأمور تدل على عظمه في النفس وجلاله في القدر وحب الخير للناس وأنا ذكرتُ شيئا مما يُستساغُ نشره و إلا ثمّة أمور كثيرة تُبين علو قدر الرجُل وهيبة لا يعلمها إلا الرب تبارك وتعالى في ذلك العبد الصالح وكان الناس يحبونه حبا جمّا لقدرته على تغيير المنكر ولنفوذ أمرة وقوة سلطانه رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة ...

من علماء المدينة كذلك الشيخ محمد المختار الشنقيطي رحمه الله والد الشيخ محمد المختار المعاصر الفقية الواعظ هذا والده توفي عام 1405هـ وكان يدرس السُنن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رحمة الله به وهي ذُريه بعضُها من بعض أن الشيخ محمد المختار الآن الأبن يدرس في حرم رسول الله صلى الله علية وسلم .

الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله تعالى ومتع به وختم له بخير له قرابة 50 عام يدرس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل عليه نور الإيمان ولا نُزكي على الله أحدا وله فضل واسع خاصة في وعظه للعامة وله أثرٌ كبير في كل من يحضر دروسه تُرقق القلوب وتُذرف العيون في درسه وقد منّ الله علية بان هدى الله جل وعلا على يديه خلقاً جمّاً رحمه الله تعالى رحمه واسعة....

هذه نتف وشذرات من هنا وهناك عن بعض علماء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نُريد أن نصل أليه ختاماً أننا لا نريد أن نذكر أقوالا أو تواريخ لكن نقول لكل من يطلب العلم يكون حريصاً في أخلاقه وسيره مع الناس لا يتشوّث بالمال فان المال من أعظم مُهلكات طالب العلم ،، وفي نفس الوقت يحرص على ألا يكون يبتغي الشهرة ولا يلتمسها على أن التأصيل العلمي الذي دوناه في الأول ينفع كذلك هذا ماتيسر إيراده وتهيئ إعداده وأعان الله على قوله..


































  رد مع اقتباس