كثير منا يبدأ بقوة. نقرر فجأة أن نغيّر حياتنا: نلتزم بالرياضة، نقرأ يوميا، نترك عادة سيئة، أو نبدأ مشروعا جديدا. في الأيام الأولى نشعر بطاقة عالية وكأن كل شيء أصبح ممكنا، ثم بعد أسبوع أو أسبوعين تبدأ النار تخف، وتظهر الأعذار، ويتأجل الموعد، ويصير الالتزام صعبا، ثم نعود لنقطة الصفر ونقول: “أنا لا أستطيع الالتزام”. المشكلة في الغالب ليست ضعف الشخصية ولا قلة الإرادة كما نتخيل، بل هي اعتمادنا على شيء متقلب اسمه الحماس، وإهمالنا لشيء ثابت اسمه النظام. الحماس شعور رائع لكنه مؤقت، يزورك عندما تكون الفكرة جديدة، وعندما تكون الصورة في ذهنك جميلة ومثالية، لكنه لا يبقى عندما تتعب أو تنشغل أو تواجه أول مقاومة حقيقية. أما النظام فهو ما يعمل عندما لا تريد العمل، وهو الذي يرفعك من المزاج إلى الاستمرار، ومن الاندفاع إلى عادة ثابتة.
الحماس بطبيعته مرتبط بالمكافأة السريعة، ولذلك تراه يظهر مع بداية أي هدف جديد. تشتري أدوات رياضية، تحمّل تطبيقات، تجهز قائمة كتب، تكتب خطة كاملة، وتظن أن هذه الخطوات وحدها ستضمن النجاح. لكن الحماس في الحقيقة لا يملك قدرة كبيرة على تحمل الملل، ولا يحب الروتين، ولا يصبر على النتائج البطيئة. عندما تذهب للجيم في اليوم الأول تشعر أنك أنجزت شيئا عظيما، لكن في اليوم السابع يصبح الجيم “عاديا”، وفي اليوم العاشر تظهر آلام بسيطة في الجسم أو ضغط عمل أو مناسبة عائلية، فيبدأ العقل يبحث عن مبرر للخروج. هنا يتضح الفرق: الحماس يعتمد على شعور داخلي، بينما الالتزام الحقيقي يعتمد على قرار خارجي مرتبط بوقت ومكان وقواعد. النظام لا يسألك: هل أنت متحمس؟ النظام يقول: هذا موعدك، وهذه خطوتك، نفذها ثم عد لحياتك. لهذا تجد أشخاصا ينجزون أشياء كبيرة دون أن يتكلموا كثيرا عنها، لأنهم لا ينتظرون المزاج الصحيح، بل يبنون سلوكا بسيطا يتكرر حتى يصبح تلقائيا.
من أهم أسباب الفشل في الالتزام أننا نضع أهدافا كبيرة جدا ثم نطلب من أنفسنا تنفيذها دفعة واحدة، وكأننا نضغط زر التحول الكامل. نقول: سأقرأ ساعة يوميا، سأتمرن خمس مرات في الأسبوع، سأستيقظ فجرا كل يوم، سأترك الهاتف تماما، ثم نفاجأ أننا لا نستطيع الاستمرار. الحقيقة أن العقل يرفض التغييرات العنيفة، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه يحمي استقرارك. أي تغيير كبير يعني طاقة أكبر، وإرادة أكثر، وصدمات أكثر، وهذا يجعل العودة للراحة أسهل بكثير من الاستمرار. النظام الذكي لا يبدأ بالقفز، بل يبدأ بخطوة صغيرة جدا، خطوة تجعلك تقول: “هذا ممكن”. بدلا من ساعة قراءة، ابدأ بعشر دقائق. بدلا من خمس حصص رياضة، ابدأ بحصتين. بدلا من الاستيقاظ فجرا يوميا، ابدأ بيومين. الفكرة ليست أن تبقى صغيرا، بل أن تبدأ صغيرا حتى تضمن الاستمرار، لأن الاستمرار هو الذي يسمح لك بالتوسع تدريجيا دون أن تشعر أنك في معركة يومية مع نفسك.
ثم تأتي المشكلة الثانية: كثيرون يخلطون بين الهدف والنظام. الهدف شيء تريده في المستقبل: وزن أقل، معرفة أكثر، إنجاز مشروع، حفظ قرآن، تعلّم لغة. لكن النظام هو ما تفعله اليوم. الهدف يعطيك اتجاهًا، لكن النظام هو الذي يحركك. بدون نظام تصبح الأهداف مجرد أمنيات جميلة. لو قلت: أريد أن أكون قارئا، هذا هدف. لكن النظام هو: كل يوم بعد العشاء أقرأ عشر صفحات، أو كل صباح قبل العمل أقرأ خمس صفحات. لاحظ أن النظام يجب أن يكون محددا جدا: وقت، مكان، مقدار. كلما كان النظام واضحا قلّت مساحة التفاوض الداخلي. التفاوض الداخلي هو العدو الحقيقي للالتزام، لأنك عندما تفتح باب النقاش يوميا، ستخسر في أيام التعب والانشغال. النظام يغلق النقاش، ويجعل التنفيذ أقرب للعادة منه للقرار.
وهناك سبب ثالث يجعلنا نفشل في الالتزام، وهو أننا نبالغ في الاعتماد على الإرادة وننسى البيئة. الإرادة تشبه بطارية، تضعف مع الضغط والتوتر وقلة النوم وكثرة القرارات. إذا كنت تعيش وسط مشتتات كثيرة، وبيئة غير منظمة، وتطبيقات مفتوحة، وهاتف قريب، فمن الطبيعي أن تسقط خطتك. النظام الناجح يبدأ بتعديل البيئة قبل تعديل النفس. إذا أردت أن تقلل الهاتف، لا تكتف بأن تقول “سأقاوم”. اجعل الهاتف بعيدا أثناء العمل، أغلق الإشعارات، ضع التطبيقات المشتتة في صفحة بعيدة، أو حدّد وقتا لها. إذا أردت أن تقرأ، ضع الكتاب في مكان ظاهر، واجعل الوصول إليه أسهل من الوصول للهاتف. إذا أردت أن تتمرن، جهز ملابسك من الليل، واجعل البداية سهلة. البيئة إما أن تدعمك أو تحاربك، ومن يختار بيئة تحارب هدفه ثم يلوم نفسه على ضعف الالتزام، يظلم نفسه مرتين.
الفرق العميق بين الحماس والنظام يظهر أيضا في طريقة التعامل مع السقوط. الشخص الذي يعتمد على الحماس يعتقد أن أي انقطاع يعني فشلًا كاملا، فيقول: “خربت” ثم يترك كل شيء. بينما الشخص الذي يعتمد على النظام يرى الانقطاع جزءا طبيعيا من الحياة، فيعود بسرعة دون دراما. النظام لا يحتاج كمالا، بل يحتاج عودة سريعة. القاعدة الذهبية هنا: لا تسمح بيومين متتاليين من الانقطاع. قد تفوت يوما بسبب سفر أو تعب أو ظرف، هذا طبيعي، لكن لا تجعل الغياب يصبح عادة. عندما تفهم هذا، ستخف وطأة الذنب، لأن الذنب غالبا لا يعيدك للعمل بل يثقل عليك ويجعلك تهرب أكثر. النظام يتعامل معك كإنسان، وليس كآلة، ولذلك يبقى معك لسنوات، بينما الحماس يختفي بمجرد أول صدمة.
إذا أردت نظاما عمليا يساعدك على الالتزام، اجمع بين ثلاث نقاط بسيطة لكنها قوية. الأولى: اجعل العادة صغيرة في البداية، بحيث لا تحتاج طاقة كبيرة، حتى في أسوأ أيامك. الثانية: اربطها بمحفز ثابت موجود أصلا في يومك، مثل بعد صلاة، بعد قهوة، بعد العودة من العمل، قبل النوم. الربط يحول العادة إلى جزء من سلسلة يومية وليس نشاطا منفصلا يحتاج قرارا جديدا كل مرة. الثالثة: اجعل لها قياسا واضحا وسجلا بسيطا، ليس لأنك تريد أن تتحول إلى شخص مهووس بالقياس، بل لأن التسجيل يحوّل الالتزام من شعور إلى واقع. ورقة على الجدار، أو ملاحظة في الهاتف، أو تقويم بسيط تضع عليه علامة. عندما ترى سلسلة أيام متتالية، يصبح كسرها أصعب، وتتحول “الفكرة” إلى “هوية”: أنا شخص يلتزم، أنا شخص يحافظ على عادة، وهذا بحد ذاته يرفع فرص الاستمرار بشكل كبير.
في النهاية، الفشل في الالتزام ليس مشكلة شخصية بقدر ما هو مشكلة طريقة. نحن نبدأ بحماس كبير وننتظر أن يستمر إلى النهاية، بينما الحياة لا تعمل بهذه الطريقة. الحياة مليئة بضغط وتعب وانشغال، ومن يبني نجاحه على مزاج جيد فقط سيخسر كثيرا. الحل ليس أن تبحث عن حماس جديد كل مرة، بل أن تبني نظاما بسيطا يحملك في أيام القوة وأيام الضعف. ابدأ صغيرا، حدّد وقتا ومكانا، عدّل بيئتك، وركّز على العودة السريعة أكثر من الكمال. عندما تفهم الفرق بين الحماس والنظام، ستتوقف عن جلد الذات، وستبدأ رحلة مختلفة: رحلة هادئة، لكنها ثابتة، وفي النهاية هي التي تصنع النتائج التي كنت تبحث عنها منذ البداية.
